محمد ابراهيم شادي
16
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
ولا شك أن الخطابي بهذا وبرؤيته السابقة إلى تميز القرآن باجتماع طبقات الكلام فيه ممتزجة متداخلة في الموضع الواحد يدلنا على طول التأمل في عناصر النظم حتى استنتج من الآية معنى في وقت ما ، ثم عاود الآية نفسها فاستنتج منها معنى ثانيا ، ثم عاودها مرة ثالثة ، فاستنتج معنى ثالثا ولكل من هذه المعاني رصيد من النظم يدل عليه أو يشير إليه ، ثم لعله لاحظ في تعدد تلك المعاني وفي تفاوت مستويات حظوظها تبعا لتفاوت درجات التأمل في استنباطها . . لعله لاحظ أن في هذا دليلا على أن طبقات الكلام تجتمع ممتزجة في الموضع الواحد من القرآن الكريم . والخطابي بهذا يسبق نقاد العصر في منهج التفكيك والتركيب ، ولا تعنى نظرته لكل من المعاني والألفاظ نظرة مستقلة أنه يفرق بينهما أو يتناول كلا منهما بالنظرة الجزئية المحدودة ولكن هذا من ضرورات المنهج التحليلي الذي يفكك الكل إلى أجزائه لفحصها ثم يعود إلى الدلالات التركيبية المرتبطة بالنظم والذي يرى " أنه لجام الألفاظ وزمام المعاني وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض ، فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان " . ومع أن الرماني قد فطن إلى ذلك الارتباط بين المعاني والألفاظ في البلاغة العالية عندما قال : " وليست البلاغة إفهام المعاني . . ولا البلاغة بتحقيق اللفظ على المعنى . . وإنما البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ " إلا أننا لا نشعر عنده بعمق ذلك المنهج التحليلي الذي رأيناه عند الخطابي . ومع ذلك فإن لكل من هذين العالمين ميزة لا توجد عند الآخر ، فميزة الخطابي هي ما سبق ولقد كان أديبا حسن العبارة قادرا على توصيل ما يريد بأيسر لفظ وأحلاه ، أما الرماني فلقد كان متكلما كز العبارة يحوجنا إلى قراءة أفكاره أكثر من مرة لكنه يتميز بإصابة الرمية وتحديد الخصوصية التي يتميز بها القرآن في أكثر أقسام البلاغة التي عرضها ولا سيما تلك الموازنات الدقيقة بين جمل من القرآن وجمل من فصيح كلام العرب والتي تعد دليلا قاطعا ومنهجا موضوعيا سديدا للإعجاز القرآني .